تستعد أنت وعائلتك لقضاء عطلة نهاية الأسبوع وتعد العدة، فإذا بالغبار يقرر ان يحبسكم في البيت، يتعطل مكيف بيتك أو سيارتك في يوم لاهب فتفقد أعصابك وتشعر بأنك على وشك ارتكاب جريمة، إلى مدى يتحكم الجنرال «طقس» في مزاجنا وفي حالتنا النفسية؟
كل الدراسات والأبحاث في السنوات الأخيرة تؤكد وجود علاقة قوية بين الاحوال الجوية والحالة النفسية والمزاجية للإنسان، فلو أعطيت طفلك ورقة في يوم معتدل والطقس فيه جميل وطلبت منه أن يرسم مشهدا ما سيرسم لك الأزهار الملونة ووجوه البشر المبتسمة، وربما رسم كلبا يبتسم هو الآخر، بينما لو طلبت منه الرسم في يوم مغبر ستجد العكس تماما.. إنه الطقس الذي يتحكم في أمزجة الصغار والكبار، بل ويرسم جدول أعمالهم.
إلى أي مدى يتحكم «الجنرال» طقس في حياتنا؟
سألت الاستشاري النفسي والاجتماعي د. خضر بارون الذي أكد أن العديد من الدراسات والأبحاث في السنوات الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك تأثير الطقس في مزاج الإنسان وحالته النفسية:
- لا بد أن أشير في البداية إلى أن الإنسان يتأثر بالبيئة المحيطة به تأثرا كبيرا، وربما كانت الأحوال الجوية أكثر الأشياء التي تؤثر في حياة الإنسان في العصر الحالي، مع الإشارة إلى أن هذا التأثير يختلف من بيئة إلى أخرى، ففي بلاد الغرب تعتبر الشمس من الاشياء التي تجعل المزاج معتدلا وتشعر الناس بالسعادة لأنهم محرومون منها في أوقات كثيرة من العام، بينما يعتبر البرد والمطر والضباب من الاشياء التي تثير الحزن والمزاج السيئ لديهم، بل هناك مصطلح معروف في دول الغرب التي تعيش فترات طويلة من العام في طقس بارد وهو اكتئاب أو كآبة الشتاء حيث يسيطر على الكثيرين الحزن والشعور بالكآبة وتعكر المزاج.
شعور بالاكتئاب
ويلقي د. بارون الضوء على تأثير طقس الكويت المتقلب على الحالة النفسية للناس فيقول:
- في طقس الكويت المتقلب، والذي يتندر فيه الناس بأنهم من الممكن أن يشاهدوا الفصول الأربعة في دقائق معدودات، نجد صورة واضحة لما يمكن أن يفعله الطقس في امزجة الناس وحالتهم النفسية، ففي حالات الحر الشديد والرطوبة العالية وموجات الغبار التي تجتاح بلادنا بين الفينة والأخرى، نلاحظ أن الحالة المزاجية تتدهور للغاية، كما من الممكن أن يشعر الكثيرون بالاكتئاب في مثل هذه الأحوال المتقلبة.
على سبيل المثال تنتظر الكثير من العائلات عطلة نهاية الأسبوع للخروج إلى البحر والمتنزهات وأماكن المرح، لكن عندما يجبر الطقس السيئ هؤلاء على البقاء في البيت مثلما حدث مع موجات الغبار الأخيرة التي اجتاحت البلاد، ستجد أن مزاج أفراد العائلة أصبح سيئا لأن العطلة تعني الاسترخاء وتفريغ الطاقة للشباب والأطفال، وقد ينتج عن ذلك المزاج المتعكر العنف لدى الأطفال، وقد تدب الخلافات بين الزوجين.
الحر يسبب «ضيقة الخلق»
ولأن الصيف قد بدأت بشائره يشير بارون إلى تأثير الحر الشديد في تصرفات الناس في الكويت:
- في فصل الصيف شديد الحرارة يردد الكثير من الناس مصطلح «ضيقة الخلق» التي يشعرون بها إذا تعطل مكيف سيارتهم أو بيتهم، كما أن الحوادث المرورية تزيد في فترات الطقس المزعج كالحر الشديد حيث انه يؤثر في الحالة النفسية والعصبية للإنسان، بل تربط بعض الدراسات بين ارتفاع درجات الحرارة وتزايد جرعات العنف والعدوانية.
الحر الشديد يثير عصبية الإنسان ويزيد من شعوره بالإجهاد والخمول، وهذا سيتضح على طلابنا في المدارس في الفترة القادمة حيث تزيد درجة الحرارة وتجد الطالب يقول «ما لي خلق» من شدة الحرارة والرطوبة.
كما أن أكبر دليل على تأثير الطقس في حياة الإنسان أن الكويت تكاد تكون خالية من الناس في فصل الصيف هربا من درجة الحرارة العالية، فالكل يبحث عن وجهات تتمتع بالجو المعتدل من أجل الاسترخاء.
احترس من السرايات
الفلكي خالد عبد الله الجمعان يشير في البداية إلى أن طقس الكويت يشتهر بعدم الاستقرار والتغيرات المفاجئة:
- طقس الكويت معروف بالتقلب، خاصة في فصل الصيف الذي يأخذ 8 أشهر من العام، وتشهد الكويت والمنطقة في الايام الأخيرة من شهر مارس وحتى شهر مايو من كل عام طقسا متقلبا يمتزج فيه الغبار والأمطار ويلقب محليا بسبق السّرايات والسّريات.
ويبدو الطقس المتقلب في الكويت اكثر وضوحا عندما تكون الظواهر في فترة السّرايات التي تبدأ من منتصف شهر أبريل حيث تكون أكثر عنفاً من فترة السّبق، لذلك توصف الفترة التي تسبق السّريات بالسّبق لأنها تسبق السرايات وهي أقل منها حده وتعتبر أيضا مقدمة للسّرايات.
ظاهرة خليجية
ويخفف الجمعان من معاناة الناس في الكويت من تقبل الطقس ليؤكد أنها ظاهرة خليجية وليست حكرا على الكويت وحدها، فيقول:
- ينتج من حالة عدم الاستقرار تلك تفاوت في درجات الحرارة ورياح تسبب إثارة الغبار والأتربة مصحوبة أحيانا بأمطار متفرقة تكون ممزوجة بحبات البرد أحيانا، بالإضافة الى تفريغ شحنات البرق وهو أمر لا يقل خطورة عن عصف الرياح، لذلك تعد هذه الفترة من اخطر فترات المواسم في الرزنامة المناخية خلال العام.
وتقلب الطقس ليس ظاهرة محلية في الكويت وحدها، إنما يعاني منه سكان المنطقة في البحرين والإمارات وقطر والمناطق الشرقية من السعودية، التي تتعرض لمثل هذه الظواهر الطبيعية الموسمية المتكررة في كل عام إلا أن مثل هذه الظواهر تكون أكثر عنفا كلما اتجهنا جنوبا في الخليج العربي بسبب اتساع عرض المسطح المائي.
عليكم بالحيطة والحذر
● لكن كيف يتعامل الناس مع مثل هذا الطقس المتقلب في دولة الكويت؟
- الناس تأقلموا مع الطقس المتقلب ولم يعد يمنعهم من الخروج، خاصة أن معظم أماكن الترفيه في الكويت مغلقة، لكني أنصح الناس بأهمية أخذ الحيطة والحذر خلال هذه التغيرات المفاجئة والسريعة، خاصة مرتادي البحر والطرق السريعة والمسافرين برا، وان يتابعوا باستمرار حالة الطقس في البلاد.
يزيد معدل العنف والجريمة
بما ان حالة الطقس لها تأثير كبير على الحالة النفسية والمزاجية للإنسان خاصة في درجات الحرارة العالية، فهل يلعب هذا التأثير دورا في ارتفاع الخلافات الشخصية واللجوء الى العنف ومعدلات الجريمة؟
وجهت السؤال للمحامي نوفل حيدر الذي أجاب قائلا:
- لاشك أن لجوء الإنسان إلى العنف يتأثر بالظروف البيئية المحيطة به، ويأتي على رأسها الطقس المتقلب وخاصة الحر الشديد كما في بلادنا. وقد أكدت العديد من الدراسات أن هناك علاقة قوية ووثيقة بين الطقس السيئ وزيادة معدلات استخدام الإنسان للعنف وارتكاب الجريمة، فمن المعروف مثلا أن أوقات الحر الشديد تجعل الإنسان أكثر توترا، فتزداد سرعة انفعاله ويفقد أعصابه بسهولة.
الإنسان لا يستطيع ضبط نفسه في الجو شديد الحرارة والرطوبة العالية كما يحدث في الكويت خلال شهري أغسطس وسبتمبر مثلا، لذا تزداد المشادات بين الاشخاص على أبسط الأشياء مثل أولوية المرور، بل ان هذا الجو الخانق الذي يؤدي إلى بقاء الناس في البيوت فترات طويلة قد يساعد على زيادة اندلاع الخلافات الزوجية.
وأخيرا يؤكد حيدر من واقع خبرته المهنية كمحام أنه لاحظ زيادة وتيرة العنف في شهور الصيف فيقول:
- لا توجد أمامي إحصائيات دقيقة عن عدد الجرائم التي ترتكب في فصول السنة، ولكن من خلال خبرتي كمحام ألاحظ أن معدلات استخدام العنف وارتفاع الجريمة تزيد بشكل ملحوظ في أوقات الطقس المتقلب، خاصة في شهور الصيف حيث ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير وتزيد نسبة الرطوبة الخانقة، لكن يجب أن نضع في الاعتبار مثلا ان حالات السطو على البيوت والسرقة قد تزيد في الصيف بسبب سفر الناس إلى الخارج بسبب طقس الكويت الحار، الجريمة نسبية تحددها عوامل منها الزمان والمكان والثقافة والأمر يحتاج إلى دراسة علمية موثقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق